ابن بطوطة
225
رحلة ابن بطوطة ( تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار )
عليه حيل بينه وبين دخول منزله ، وكانت بيده ياقوته عظيمة فخبّأها عنده وخاطها في ثوب له ليلا ، وسملت عيناه وطرح في أسواق بغداد ، فمر به بعض الشعراء ، فقال له : يا خصيب ، إني كنت قصدتك من بغداد إلى مصر مادحا لك بقصيدة فوافقت انصرافك عنها وأحب أن تسمعها ، فقال كيف بسماعها وأنا على ما تراه ؟ فقال إنما قصدي سماعك لها ، وأما العطاء فقد أعطيت الناس وأجزلت جزاك اللّه خيرا قال : فافعل فأنشده : أنت الخصيب وهذه مصر * فتدفّقا ، فكلاكما بحر ! « 169 » فلما أتى على أخرها قال له : افتق هذه الخياطة ، ففعل ذلك ، فقال له : خذ الياقوتة فأبى فأقسم عليه أن يأخذها فأخذها وذهب بها إلى سوق الجوهريين ، فلما عرضها عليهم ، قالوا له : إن هذه لا تصلح إلا للخليفة ، فرفعوا أمرها إلى الخليفة ، فأمر الخليفة بإحضار الشاعر واستفهمه عن شأن الياقوتة فأخبره بخبرها فتأسف على ما فعله بخصيب ، وأمر بمثوله بين يديه وأجزل له العطاء وحكّمه فيما يريد فرغب أن يعطيه هذه المنية ، ففعل ذلك وسكنها خصيب إلى أن توفى وأورثها عقبه إلى أن انقرضوا . وكان قاضي هذه المنية أيام دخولي إليها فخر الدين النّويري المالكي وواليها شمس الدين أمير خيّر كريم ، دخلت يوما الحمام بهذه البلدة فرأيت الناس بها لا يستترون فعظم ذلك علي ، وأتيته فأعلمته بذلك فأمرني أن لا أبرح وأمر بإحضار المكتريين للحمامات وكتب عليهم العقود أنه متى دخل أحد الحمام دون ميزر فإنهم يؤاخذون على ذلك واشتد عليهم أعظم الاشتداد ، ثم انصرفت عنه . وسافرت من منية ابن خصيب إلى مدينة منلوي « 170 » وهي صغيرة مبنية على مسافة ميلين من النيل ، وضبط اسمها بفتح الميم واسكان النون وفتح اللام وكسر الواو ، وقاضيها الفقيه شرف الدين الدّميري بفتح الدال المهمل وكسر الميم الشافعي ، وكبارها قوم يعرفون ببني فضيل بنى أحدهم جامعا انفق فيه صميم ماله . وبهذه المدينة إحدى عشرة معصرة للسكر ومن عوائدهم أنهم لا يمنعون فقيرا من دخول معصرة منها فيأتي الفقير بالخبزة
--> ( 169 ) هذا البيت مطلع لقصيدة لأبي نواس قالها في الخصيب حينما قدم إليه وهو أمير مصر . . . ومن أبياتها : في مجلس ضحك السّرور به * عن ناجدية وحلّت الخمر ! ديوان أبي نواس ، تحقيق فاغر ، القاهرة 1958 ص 226 . ( 170 ) هي ملّاوي ( MALLAWI ) الحالية ، انظر ابن دقماق .